الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
13
مختصر الامثل
الجواب يتضح لو عرفنا أنّ كل عمل ينبغي أن يبدأ بالاستمداد من صفة تعم آثارها جميع الكون وتشمل كل الموجودات ، وتنقذ المستغيثين في اللحظات الحساسة . هذه حقيقة يوضحها القرآن في الآية ( 156 ) من سورة الأعراف إذ يقول : « وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ » . ومن جانب آخر نرى الأنبياء وأتباعهم يتوسلون برحمة اللَّه في المواقف الشديدة الحاسمة . فقوم موسى تضرعوا إلى اللَّه أن ينقذهم من تجبّر فرعون وظلمه ، وتوسلوا إليه برحمته فقالوا : « وَنَجّنَا بِرَحْمَتِكَ » « 1 » . وبشأن هود وقومه ، يقول القرآن : « فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحمَةٍ مِنَّا » « 2 » . فإنّ أفعال اللَّه تقوم أساساً على الرحمة ، والعقاب له طابع استثنائي لا ينزل إلّافي ظروف خاصة ، كما نقرأ في دعاء الجوشن الكبير المروية عن آل بيت رسول اللَّه : « يا من سبقت رحمتُه غضبَه » . فالمجموعة البشرية السائرة على طريق اللَّه ينبغي أن تقيم نظام حياتها على هذا الأساس أيضاً ، وأن تقرن مواقفها بالرحمة والمحبة ، وأن تترك العنف إلى المواضع الضرورية . الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ( 2 ) العالم مغمور في رحمته تعالى : بعد البسملة ، يأتي أول واجبات العباد وهو أن يستحضر دوماً مبدأ عالم الوجود ، ونعمه اللامتناهية ، هذه النعم التي تحيطنا وتغمر وجودنا ، وتهدينا إلى معرفة اللَّه من جهة ، وتدفعنا على طريق العبودية من جهة أخرى . وعندما نقول أنّ النعم تشكّل دافعاً ومحرّكاً على طريق العبودية ، لأنّ الإنسان مفطور على البحث عن صاحب النعمة حينما تصله النعمة ، ومفطور على أن يشكر المنعم على إنعامه . من هنا فإنّ علماء الكلام ( علماء العقائد ) يتطرقون في بحوثهم الأولية لهذا العلم إلى « وجوب شكر المنعم » باعتباره أمراً فطرياً وعقلياً دافعاً إلى معرفة اللَّه سبحانه . وإنّما قلنا إنّ النعم تهدينا إلى معرفة اللَّه ، لأنّ أفضل طريق وأشمل سبيل لمعرفته سبحانه ، دراسة أسرار الخليقة ، وخاصة ما يرتبط بوجود النعم في حياة الإنسان .
--> ( 1 ) سورة يونس / 86 . ( 2 ) سورة الأعراف / 72 .